الشيخ محمد علي طه الدرة
576
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
المقدّسات ، وتأمين البيئة الصّالحة للأسرة المسلمة ، التي تنشد الحياة الكريمة ، فلا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع ، ولا بقاء لها ، ولا خلود إلا ببقاء الحقّ ، وأنصاره ، ولهذا أمر اللّه تعالى بالقتال ، وضرب عليه الأمثال بالأمم السّابقة ، وكيف جاهدت في سبيل الحق ، وانتصرت القلّة مع إيمانهم على الكثرة ، والتزامهم له ، وجهادهم في سبيله . أَ لَمْ تَرَ . . . إلخ : الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لكلّ أحد ، والاستفهام تعجّب ، وتشويق إلى استماع ما بعده ؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين ، أو هو استفهام ، وتقرير ؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم . ويجوز أن يخاطب به من لم ير ، ولم يسمع ؛ لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب . وَهُمْ أُلُوفٌ : جمع : ألف ، وهو جمع كثرة ، ويجمع أيضا على آلاف ، وهو جمع قلّة . واختلف في عددهم ، فقيل : هم سبعون ألفا . وقيل غير ذلك . حَذَرَ الْمَوْتِ : خوف الموت ، وفرارا منه . فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا فماتوا . ثُمَّ أَحْياهُمْ : أعاد اللّه إليهم أرواحهم ، بعد موتهم . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ : صاحب كرم ، وجود ، وإنعام ؛ حيث يذكر لهم من القصص ما فيه عبرة لمن يعتبر ، ويتذكّر . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فضل اللّه ، وإنعامه . تنبيه : المراد بما في الآية الكريمة أهل قرية « داوردان » قرية قبل واسط ، وقع فيها طاعون ، فخرجوا هاربين ، فأماتهم اللّه ، ثمّ أحياهم ؛ ليعتبروا ! ويتيقّنوا : أن لا مفرّ من قضاء اللّه تعالى ، وقدره . أو هم قوم من بني إسرائيل ، دعاهم ملكهم إلى الجهاد ، ففرّوا خوف الموت ، فأماتهم اللّه ثمانية أيام ، ثمّ أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل ، وهو الخليفة الثالث من خلفاء موسى ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة وألف سلام . ويقال له : ذو الكفل ؛ لأنه تكفّل سبعين نبيّا ، وأنجاهم من القتل ، فقد مرّ فيهم ، وهم موتى ، فتعجب من حالهم ، فأوحى اللّه إليه أن ناد : قوموا بإذن اللّه . فنادى ، فقاموا يقولون : سبحانك اللهم ، وبحمدك ، لا إله إلا أنت . وفائدة القصّة تشجيع المسلمين على الجهاد ، والتّعرّض للشّهادة ، وحثّهم على التوكّل ، والاستسلام للقضاء . انتهى . بيضاوي بتصرّف . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 73 ] فإنّه جيد . والحمد للّه ! . وفي هذه القصّة عبرة ، ودليل على أنّه لا يغني حذر من قدر ، وأن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، فإنّ هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء طلبا لطول الحياة ، فعوملوا بنقيض قصدهم ، ثمّ أحياهم . وميتة العقوبة بعدها حياة ، وميتة الأجل لا حياة بعدها . وقال مجاهد : إنّهم لما أحيوا ؛ رجعوا إلى قومهم ، يعرفون : أنّهم كانوا موتى ، سحنة الموت على وجوههم ، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما ؛ حتى ماتوا لآجالهم ؛ التي كتبت لهم . وفيه ردّ على من يقول : كيف أميت هؤلاء مرّتين في الدّنيا ، وقد قال اللّه تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى الآية رقم [ 56 ] من سورة ( الدخان ) ؟ قيل : إن موتهم ، وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النّبيّ ،